.

في المكتبات جديد الشاعر حسين القاصد"القصيدة الإعلامية في الشعر العراقي الحديث" و النقد الثقافي ريادة وتنظير وتطبيق- العراق رائدا

.....

للحصول على اصدارات حسين القاصد ...جميع اصداراته في مكتبة الحنش  و  مكتبة  القاموسي في مكتبة المتنبي

الثلاثاء، 8 مايو 2012

الانسجام أللفضي والترابط الصوتي مع المعنى لدى حسين القاصد /عيال الظالمي

عيال الظالمي / نقلا عن جريدة الزمان العدد 4194 في 8/5/2012





الانسجام في اللغة هو ضم الشيء إلى الشيء،وفي الاصطلاح هو مجموع الآليات العملية الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادر على فهمه وتأويله ببساطه
، فحين نقرأ نصا نتوصل إلى فهم بنيته ومضامينه وكل خلفياته والأطر المنظمة له ، إذا وصلنا إلى هذه النقطة من الفهم وظفنا آليات الانسجام . يؤثث القاصد بروحيته شعرا غرائبي البناء في القصيد الكلاسيكية ،بتهشيم الأطر الكتابية ، وفق رؤى وتجليات منظمة مكتملة في التركيب الصوتي والدلالي . للقاصد لغة رومانسية جريحة منسجمة ، تصطبغ باللون الفطري للامتزاج الحاصل عنده بين المعرفة بمثيرات المشاعر ومواطن الألم ، وصياغته المفردة التي لا يصاغ أجمل وأعمق منها للتعبير عن المكنونات النفسية، فقد استطاع تطويع مواده التي يستخدمها في مشغل عمله الفني خاضعة لمزاجه الفردي ( لأن الفردية في التعبير هي أساس كل فن وغايته) يمتلك القاصد في ما وضع بـ (تفاحة في يدي الثالثة ) والصادر عن سلسة نخيل عراقي عام 2009\الحافز. القوة بالموقف الذي شمل تطويع عناصره جميعها . لم يكتب لكي يقال بأنه قال كذا بل كتب للتنفيس عما يغتلي ويتفاعل، وهذا واضح في الأصوات المُحدثة المترابطة مع المعنى ، و متوافقة منسجمة تجذب القارئ وتشده:
بدأت..قيل متى؟ ناديت منذ أنا
منذ اختلفت معي كي أحرث الشجنا
من ألف بادية في الروح سار دمي
لكي أُرتــّل أطفالي لها مُـــدنا
في سابق النمل كانت قريتي قلقا
ثم استراحت بغصن نامل زمنا..(ص 131)
استحدث القاصد أصوات قوافيه المركبة لما للحروف المتجاورة وقوتها اللغوية والصوتية ، ذاهبا بمنحى متناغما ابتدعه ، يشبه إلى حد ما قصائد اللزوميات عند المعري ، وما أنهل بذرى العقم قصائدا تمطى بها الترابط الصوتي ، ليعطي صوتاً نغمي يضفي هزّة بأذن المتلقي، فعلم الأصوات الذي يعنى بدراسة الصوت ومؤكدا على الصوت من حيث مخارجه وصفاته ،وطريقة إنتاج الصوت في الجهاز النطقي للمتكلم محددا لإعطاء النطق لدى الإنسان مع ما يترتب عليها من صفات تتميز بها كل مجموعة ، وكذا بطرق التقاطه عند جهاز السمع. اختار الشاعر القوافي بحروف روي جميلة ومستحدثة كـ(حرف اللام مع هاء السكت ،وبكل مواضع الأعراب ،وحرف التاء مع الهاء )لما لهما من بحّة صوتية روحية تلامس الشغاف فمن قصيدة(ساحة التحرير):- قلق تلحنه شؤون زائله \\وأسى يحاك دمىً ولكن قاتله
الموت يعزف دجلتين \\الدجلتان يمارسان الماء\\محض محاوله(ص114) كذاك النون والهاء:-(هو لم يكن ظلا وها هو ظلهُ مازال يحفظ للمكان مكانهُ) (ص110)وخيال القاصد ثرٌّ يولد ويبدع شكلاً خاصاً به ، تناما بعملية النمو البيولوجي أو العضوي لأنه يمتلك القوة المُغيرّة ، لقد قام بخلق جديد في بنية حية تشبه إلى درجة نمو النبات باستخدام المفردات التي أُخذت عنه برغم انتشارها كرمال العراق ، ومعنوناته الحديثة من العنوان الأكثر إبهارا الخارجي والداخل الأسمى تعبير مستنطقا المفردات للتحايل عليها ليوشّي المعنى بها وينسقها بانسجام النظرة الصوتية في عقل السامع ولون المفردة بلوحة الصورة لكي ليقول: يا الله في قصيدة (لا إلى أين)( ص84 ):::
أنا قارب خلف المياه مؤجل\\ولي مقلة روحية القصد مرهفة
أدثر شطآني بضيق مساحتي\\لكي لا ترى للماء ساق مكشفة 
وما جف فيّ الريف يا كوخ هدأتي\\ومازلت كالتنور حزنا وأرغفة
استخدام(الأنا)الجمعية سمة خاصة بالقاصد فهي ليست (نرجسية)كما استخدم ما يمتلك ليدخله باتون تجربته إلى نسبة عالية تصل إلى أكثر من75% لكون الأحدث جمعت قصائده ، فالعارف يعلم أن القصيدة التي تمتلك ترابط صوتي مع المعنى لا يمكن رفع مفرده من بناءها لأنها ستهد، ولكون الشاعر يمتلك نهجا خاصا جدا للتعبير (نهج القاصد) بل تمتلكه عواطفه الجياشة وانكساره العاطفي ،لا يهتم أحيان او كثيرة بالجانب المفروض لأنه أكثر كرماً فهو يعطي ما في يده جميعها ، ولا يبحث عن أزاميل مستعارة ، فالعديد من الشعراء الكبار لا يستدينون السلاح لكي يحاربوا بل يستعملوا ما يمتلكون من الروح بقتال دون التفكير فيمن يربح أو يخسر لأنهم لا يخسرون :ومن قصيدة(يا ساميا-ص69)::
وطن كجرح في الدماء وعمرنا منه ينزُّ 
إن جاع يأكل ما تبقى من بنيه وما يحزُّ 
في نفسه دمعٌ وها دمع العراقيين لغز 
هو ليس يهطل لا يجف لايهون ولا يعزُّ 
ومن خلال اطلاعي على بعض القصائد التي تتغنى أو يتناقل لقائلوها ابتداع القافية أو خلق بعض المفردات وجدت بشعر القاصد أغلبها لا أعلم السبق،ولا أودّ ُكتابة قصيدة لا من باب الانتقاص بل من باب الأخذ والإعجاب بالنمط ،إن كان للقاصد أو لأصحاب القصائد ، لا من اجل المقارنة لكن سأورد بيتاً من قصيدة (ص115) مع بيتين من قصيدتين قرأتهما انه قالب مشابه في الاختيارو بنفس الإيقاع الداخلي، اما تحويل نمط كتابة القصيدة العمودية على نمط الشعر الحر يعدّ تمرداً كنمط على رسم نظام الشطرين وجعل القصيدة على نظام الشطر الواحد، ووجدت أن قوافيه متلازمة مع ما تغني السامع طربا والقارئ اهتزازا: 
من ذلك الموت الملثم 
من شظايا الغبش الأعمى تشظت قافلة 
(
منْ لي بمنْ يمحو
مراحلَ تيهيَ الأولى لأبدأَ مرحلة؟)
{
هذا جنوبك لم يجد أسماءه 
إذ أنت من أسمائه المتحوله}
استطاع بأماكن عديدة من خلق ضوءاً ناتج عن الانبعاث وإتيان بالجد لتأكيد وحدة العمل الفني منسجما لأنه حاملاً لإرادة شعرية منصهرة ببوتقة الخلق الأكاديمي ،وما أملت عليه المواقف الكبرى التي أكسبته العمق والنضج ،لتعرضه بكامل الوعي إلى الإحساسات الدفينة في النفس البشرية ، كذاك ضمّن المفردة الشعبية دون تنافر {تأثرت بي دهرا فسال شذا فمي \\ عليهم وهم للآن (كاروكهم )يدي }إضافة إلى المحسنات البديعية تلعب دورا كبيرا وواضحا وجوهريا بشعره ونثره كما أنتج القاصد أشكالا طوّع الأطر خلالها للتلاعب بالأوزان وتناغم أصواتها مع المعنى ، وقد أعطى لعين القارئ في تفاحته صوراً للمرج الصناعي والتشكيل ألتعودي وربما أتى التشكيل النابع من الانفعال في اختيارالشاعر الإيقاع الداخلي لبحور شعره:
مضى، ويا أينه ؟ قالوا يمر ألم \\ يحنُّ للماء ؟للذكرى؟ لوردته؟
لأرملات فمي من بعد ما سرقت \\مني ابتسامة عمري طول غيبته؟
وعاش شيئا كثيف البعد ، يشبهه \\طول انتظاري بريئا قرب تهمته
التدوير في شعره ليس طقسا ثابتا إنّما ملحا لتطييب المذاق ،لم يكن عادة شعرية حتى إن تكرر في قصائده النثرية لطبيعة نفس القاصد الثائرة المشاكسة وبمنهل روحه وشاعريته الثرّة .لا يهيمن التدوير بل يعطي القصيدة نغما متوازنا مفعم بالشجن والمعنى والنفس الممتد، استطيع إحصاء الأبيات بالقصائد التي تحتوي التدوير عمودية و نثرية ولكننا نسمع وأعيننا تقرأ لنا صمتا لصوت المعاني والانسجام الهرموني في سلم الصعود بآهات الوجع أو النزول بمراتب الألم :كقصيدة(تراتيل في سورة الآه) وفي قصيدة(عندما يكذب الخبز):: 
الخوف كاللبلاب يُزرع في البيوت ويشنق الشباك اذ يتوثب
الشعر أصبح معدنيا والرصاص مناجل الفقهاء حتى يكسبوا
ومن قصائده النثرية :(ما تيسر في دموع الروح)و في(السهو نبتتنا)(15سطرا) في صفحة :تتمثل بها سجع الكهان ،والمعنى ذو الأفنان ، وموسيقى أيام زمان ، وما يجلي الغيوم عن الآذان ،وينثر العبق قي دياجير الجَنان .(حسين القاصد) من الجبال العراقية الشعرية الكثيفة الأنغام لتعدد طيوره لذا أرى أنَّ جمعاً من الشعراء في القصيدة العمودية استراحوا بسفوحه والاستمتاع واستنساخ تغاريده وإيقاعه ،وحتى تقليد نسج تراكيبه كقوالب جاهزة في قصائدهم ،لا يقل القاصد الذي يؤنس الجريح ويلهي المهموم ،وصوت لمن لا يُدَلّ على صراط الصياح حينما تكثر أُمية المناداة عن جبالنا الشماء ، ألا إنه عصر اللا ديمقراطية الذي أهينت فيه طرق إضاءة الظُلَم ، للقاصد وجهته وتظلُّ تتبعه سّبابات الأصابع بإشارات النحو. 

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

المرأة الوحدى


المرأة الوحدى

                                    
لليل  من يُتمٍ يؤرق مذنبا                    ينسل من رمش الأسرّة متعبا

وله ديانته ونشوة لذة                        وله صلاة قبلتين متى نبا

لليل مالا للنهار لأنــه                         يمتد نبضا في النهار اذا دبا

هو كافر مذ اسلمت نجماته             ثلج الاسرة ضوءها متغربا

فمضى يوحد ضوءه وظلامه             ببلاد وادي الناهدين معذبا

الضوء شيب الليل بين خيوطه          انفاسها لأظل قلبا أشيبا

منذ الصبا انا كنت ابحث عن أنا         واظل ابحث عن أنا حتى الصبا

شفتان طازجتان من عسل ومن        عبقٍ من النارنج فاح ليسكبا

في الروح ، في النبض المؤجل منذ أن 
                                                                      كبر الكلام على الكلام ليصعبا                 

في ليل ذاك الصبح قالت : ذا فمي
                                                                      فشربتها جدا لتجعلني هبا

لملمتني منها فكان لخصرها 
                                                               سحرٌ يجرجرني لسحرٍِ اعذبا
 فرجعت اعصر خصرها لتزيدني
                                                               من ثغرها خمرا زكيا طيبا
  
المرأة (الوحدى) التي احببتها
                                                              هي طفلتي الابهى ولست لها أبا


1/4/2012

السبت، 3 ديسمبر 2011

يا عالمَ الشعْر

 يا عالمَ الشعْر
حسين القاصد  / كتبت في محافظة الديوانية المقدسة بي... بتاريخ 24 /11/2011

يا أيها الناس ..من منكم رأى وطني؟؟
أوصافهُ اسمر الخدين يشبهني
كنا التقينا على آلام سنبلة
كانت تئن فلم أجهش ليسمعني
وظل منه على وجهي صدى قصبٍ
وصرت ناياً له في لحظة الشجن
كنا صغارا على كفيه.. دميتهُ
نحن الصغار ، متى ما شاء يهطلني
وكنت أرسمه رأسا و ارفعهُ
وظل يرسمني أرضا ليسحقني
فكيف انزل من رأسي لأبصرني
وكيف يصعد من ارضي ليبصرني
وفجأة قال لي اذهب أراك غدا
فداهمت غدنا شيخوخة الزمنِ
انتم ،نعم أنتمو ، كم كنت أعرفكم
كم التقينا فهل شاهدتمُ وطني ؟
أوصافهُ فاعلٌ والنخلُ يرفعهُ
وحرفُ علّتهِ شعبٌ بلا ثمنِ

***      ***        ***

دشداشة الماء مازالت تزينهُ
لكن يابسهُ يحيا على الفتنِ
لشعبه كل(ياالله) وقتَ أسى
في قصره آية الكرسي ترعبني
وقال لي نلتقي رأسَ الزمان وها
وقفتُ و الوقت يغريني فأمنعني
**************
وحين نهرب من حكام ألسننا
نعوذ منهم بوحي من (أبي الحسنِ)
نمضي نرممُ (عبّاسا) نعيدُ يدا
ماءً فندخر الأخرى إلى المحنِ
كي نستعيدَ فرات الله ثم اذا
تكلم الماء نسقي ظامئ الأذنِ
لاتعجبوا كلما شاهدته اختلفت
ملامحي ، ثم أمحوني  ليعرفني
كنا التقينا كثيرا تحت نخلته
وكنت أبعُدُ عن نخلي ليذكرني
عانى من الراء ، كان الحب يزعجهُ
فأتقن الحرب راءاتٍ ليخذلني
ولم نعد نلتقي إلا مصادفة
ولم نجد صدفةً إلا على كفنِ
يا مُبقي الياء من اسمي بأبجدةٍ
كل الحروف تلاشت في أخي (حَسَنِ)
أخي الذي ملَّ منه الماء فارتشفتْ
ليمونة الطين عمرا منه لم يحنِ
أخي الـ تأرجح بين النخل مذ سقطتْ
تُمورُ عينيه في إيماننا الوثني

***       ***     *** 

يا عالم الشعر.. هل للشعر عالمهُ
وكيف اكتب بيتا دونما سَكَنِ
وكيف لو دمعة التنّور تسألني
عن الرغيف الذي مازال يأكلني
يا عالم الشعر ..كيف الشعر ؟ بعضهمو
(تخطي اذا جئت باستفهامهم بـ منِ )

فمن سيكنسهم ؟ أميّةٌ نضجتْ
وراح يكتب عنها فارغ الفطنِ
يا عالم الشعر.. هل شعرٌ فنقرؤهُ
تنساب أحرفهُ من أفصح اللسنِ
نحتاجُ قافية فصحى محصّنة
إن قيل كلا، فمن منكم رأى وطني ؟؟؟ 

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

حوار مع الشاعر حسين القاصد في جريدة الشرق الاوسط

                      حسين القاصد: المشهد الشعري العراقي فيه شحة في الشعر وتخمة في 
                 الشعراء 
                   
               قال لـ: هناك من ظن أنه مغيب في زمن الديكتاتورية وحين أتيحت له        الفرصة دخل المشهد بكامل أميته
                 
                                                                                                 
                


       حظي الشعر العراقي بنصيب الأسد في ملتقى «الشعر من أجل التعايش السلمي»،
ا لذي أقامته مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري
في دبي الشهر الماضي، وبرز الشعراء العراقيون خلال أمسيات  الأيام الثلاثة للملتقى، ليمثلوا أصواتا متعددة السمات والاتجاهات، لكن   يربط بينها جزالة اللغة وأصالة المعنى. ومن بين الشعراء العراقيين الذين شاركوا في أمسيات الملتقى، الشاعر حسين قاصد، الذي يمثل اتجاها شعريا يمزج بين الألم والمعاناة، كشأن أغلب شعراء العراق، ولكن يضيف لهما شيئا من الملهاة والسخرية. والقاصد شاعر وروائي وإعلامي عراقي من مواليد بغداد 1969، عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب، ورئيس نادي الشعر في الاتحاد لدورته الأولى، حاصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية  وآدابها من جامعة بغداد، شارك في الكثير من المهرجانات الشعرية، وعمل سكرتيرا تنفيذيا لمجلة  «الأديب العراقي»  التي تصدر عن اتحاد الأدباء، أصدر أربعة مجاميع شعرية هي  «حديقة الأجوبة»، و«أهزوجة الليمون»، و«تفاحة في يدي الثالثة»، و«ما تيسر من دموع الروح»، وله تحت الطبع مسرحية بعنوان «هفوة في علبة الوقت».
 في النقد صدر له كتاب «الناقد الديني قامعا - قراءة في شعر ابن الشبل البغدادي»،
  عن دار الينابيع في دمشق، وهو عبارة عن رسالة ماجستير، كما أصدر رواية بعنوان «مضيق الحناء».
«الشرق الأوسط» التقت الشاعر العراقي حسين قاصد، على هامش مشاركته في
 «ملتقى الشعر من أجل التعايش السلمي» في دبي،
  وأجرت معه الحوار التالي:
  ميرزا الخويلدي
  كان نزار قباني يقول إن شعراء العراق أكثر من نخيله، وكان محمود درويش
  يعتبر أن العراقي شاعر بالفطرة، بالنسبة إليك، كيف ترى الشعر في عراق اليوم؟
  - نعم، العراق قبلة الشعر ومسقط رأسه، حتى إن محمود درويش يقول كذلك:
 «كن عراقيا لتصبح شاعرا».. أما اليوم فهناك مشهد شعري جديد لم تتضح معالمه حتى الآن
 هناك من ظن أنه مغيب في زمن الديكتاتورية، وحين أتيحت له الفرصة دخل المشهد بكامل أميته،
 وهناك من اتخذ النظام الساقط شعارا قوميا، فأخذ يستعطف وسائل الإعلام العربية
 وأخذت تتعاطف معه؛ المشهد الشعري العراقي اليوم هو في جملة واحدة «شحة شعر وكثرة شعراء»،
 لكن الشعراء الحقيقيين ما زالت لهم بصمتهم على الشعر العربي.
في الماضي كانت المعاناة ملح الشعر العراقي،
 واليوم تخفف الشعراء من معاناتهم ففسد بعض شعرهم.. فهل صحيح أن الشعر العراقي يحتاج إلى نار
 موقدة ليستوي وينضج؟
من أقصى الجنوب، من أهوار العراق، ومن «بحة» صوت «داخل حسن»
 كانت من هناك أول كلمة كتبت حيث «سومر»، ومن هناك تعلم العالم القراءة والكتابة..
 وقد وصلت عذابات هذا الجنوب إلى حد التخمة فأخذ ينزف إبداعا..
 ولم يكن الأمر مقتصرا على الشعر، لكن للشعر طغيانه على هذه البيئة.
 هل يحتاج إلى نار موقدة ليستوي وينضج؟ قد أختلف معك؛
 لأننا ما زلنا نتنفس شعرا، وحين نعدم الشعر سنختنق ونموت،
 لذا أرجو ألا يؤاخذنا أحد بما كتب الطفيليون منا.
كأن القهر أصبح «ترفا» يفتقده الشعراء في العراق ويحنون إليه.
 وهل دخلنا عصر الترف في العراق؟ الجواب: لا، لأننا في أمة كلما جاعت أكلت مبدعيها
، نحن نطعم الإهمال والأرصفة والاضطرابات الأمنية في كل يوم وجبة دسمة من المبدعين
، فعن أي ترف تسألني؟ صحيح أن الشعر العراقي متجذر الأنين بدءا من تنويمة أمهاتنا للأطفال
 «دللول يالولد يابني.. عدوك عليل وساكن الجول»، إنها تعلم الطفل ما لم يعلم،
 حيث تبلغه أن له عدوا، وتعود تطمئنه بأن هذا العدو عليل ويسكن الجول أي الصحراء..
 وعلى هذا الأنين ننام ونصحو لنكبر فنئن، وحتى في ترفنا نحن نغني، وربما يجهل البعض
 أن أغنية فيروز «أنا عندي حنين ما بعرف لمين» عراقية، وشاعرها عراقي هو الشاعر شاكر العاشور؛ مع هذا كله نحن لم ندخل عصر الترف ، فلقد كنا نعاني من الأمن، من ضباط أمن النظام الساقط، والآن نعاني من الأمن؛ لأنه مفقود، وقد استتب على الاضطراب.. ويكفيني شرفا أني صاحب أول بيت بعد انهيار الديكتاتورية، حين رأيت العراق يسرق ولا أملك أن أمنع أحدا، فصرخت:
قضّيت عمري فيه تحت المطرقه
لم أنتظر وطني يموت لأسرقه
قلت هذا بعد ثلاثة أيام من انهيار صنمنا الرملي،وكنت وقتها أحاول إنقاذ مكتبات كلية الآداب جامعة
 بغداد، وقد تناقلت الفضائيات هذا البيت في وقت كان الرصاص أعلى صوتا، ولا أخفيك لقد فرحت كثيرا لأني سمعت بأن الشعر له صوت في ظل أزيز الرصاص.
قرأنا رثاءك لأخيك حسن، وكأنك «تهجو» العراق.
قصتي مع العراق هي قصة حب من طرف واحد،
 فنحن نموت ليحيا الوطن، ونحن نجوع ليحيا الوطن،
 ونحن نئن تحت سياط الوطن من أجل الوطن
، لقد قلت في إحدى قصائدي: حتى «هوية» مشتقة من
 «هو» لا من «أنا».. وأخيرا أكل العراق ثلاثة أرباع اسمي
 «شقيقي حسن»، لقد كان ثلاثة أرباع اسمي، وحتى لحظة استشهاده شغل ثلاثة أرباع عمري
، أكلته المراهقة السياسية التي أطلقت عليها يا صديقي اسم «الترف».
لديك قصيدة ترثي فيها نفسك؟
- نعم، لقد هيأت مرثيتي في عام 2002 لكي لا أتعب أحدا برثائي
، لعلمي أن العراق سيفعلها ذات يوم، وقد نجوت منه ثلاث مرات
، وفي كل مرة أزداد التصاقا به، أتذكر أني خاطبته مرة قائلا في قصيدة اسمها «إلى العراق دام ظلمه»:
هل حظنا أننا نحيا بلا شرف
على ثراك وإن متنا لك الشرف
يا قاتل النخل والأطهار يا وطني
إني أحبك جدا.. أيها الصلف!
على الرغم من ذلك، لديك قصيدة بعنوان «ما زلتُ على قيد العراق»؟
العراق هو الحياة بكل قلقها وسعادتها، ولا أسعى إلى التحرر من قيده، فأنا عراقي حدّ اللعنة:
يا سيدي، يا دموع النهر، يا وطنا
من البياض ويا ماء وحشد ظما
ويا صديقا، ويا خصما، ويا شرفا
ويا هدوءا وبركانا ويا نِعما
لديك قدرة على تحويل المعاناة والغضب إلى كوميديا سوداء..
 فهل تمثل السخرية متنفسا للهروب من واقع، أم أن الشاعر داخلك لا يطيق الجدية وصرامتها؟
هذا ما جبلت عليه، فأنا إذا أصمت أبكي، وأحيانا أحتاج وقتا طويلا للبكاء،
أحيانا أقطع مسافة طويلة مشيا على الأقدام لكي أنفرد بنفسي، فكثيرا ما أشتاق لي،
 وحين نلتقي أنا وأنا نبكي كثيرا، وحين ينتهي لقاؤنا تكون هناك قصيدة.
 لذلك تراني كوميديا ساخرا كي أهرب من الشاعر الجدي الذي يأكل جوفي،
 وسرعان ما ينساق الشاعر الذي في داخلي فيكون
 مثلي ساخرا، فتظهر ملامح ذلك في كتاباتي أحيانا.
ماذا بقي من الشعراء العراقيين في ظل الفوضى السياسية العارمة؟
هم يتخبطون، فسابقا كان الضوء للسلطة وبالنتيجة يكون لشاعرها،
 وما دام الشاعر يرتبط بالسلطة فسيسقط بسقوطها، ولك أن تقرأ البرقية
 الوثيقة المنشورة في مجلة «غاوون» إلى صدام حسين من أسماء معروفة
، من بينها محمود درويش، وجابر عصفور، وها هي الفضائح بدأت تنشر وتظهر.
 أما في العراق فقد بدأت مرحلة الشاعر المواطن، لكن هذا المواطن لم يتعرف
 عليه الوسط الثقافي العربي، كونه يعرف من طبّل للطاغية المقبور، ولا يحتاج لمعرفة الآخر
؛ أما الفوضى السياسية فقد أعادت الشاعر إلى شعبه لكي يتربى جيدا، فينهض شاعر
أمة لا شاعر رئيس ما، ومن الآن فصاعدا لن يكون هناك شاعر رئيس بعينه
؛ لأن الرئيس يستبدل كل أربعة أعوام، لذا نحن أمام مرحلة جديدة من الشعر العراقي.
أين أمست الرابطات الأدبية والجماعات الشعرية التي كانت سائدة في العراق؟
الرابطات الأدبية موجودة في العراق ومنتشرة، كانت سابقا تصب في مصلحة
«القائد الضرورة» وتتلقى الدعم منه، أما الآن فهناك رابطات أكثر تتمتع بحريتها الكاملة،
 أما أنا فقد قمت بتأسيس نادي الشعر في العراق، وأصبح الشعر
ينشد كل سبت في اتحاد الأدباء بعد أن كان ينتظر حصته من جلسات الاتحاد الأربعائية،
 وأحيانا تكون حصة الشعر جلسة واحدة كل شهرين، ويقرأ فيها شعراء الواجهة السياسية.
صدرت روايتك الأولى «مضيق الحناء»، حدثنا عنها.
هي التجربة الأولى لي في الرواية، وقد عشت معها أكثر من تسعة أعوام دون أن أكتبها،
 تحكي عن قوم انتقلوا من جنوب العراق إلى بغداد، وزمنها يمتد من خمسينات القرن الماضي
إلى ما بعد الحرب الطائفية، و«مضيق الحناء» هو اسم أطلقته على أحد أحياء بغداد، كان في
 هذا الحي تمثال لعباس بن فرناس، وكانت النسوة تقدم الحناء لهذا التمثال
 لكي يجنبهن السوء؛ ظنا منهن أنه تمثال لولي صالح، لذلك كان اسم «مضيق الحناء».
لديك دراسة للماجستير ترجع فيها اكتشاف الشعر الحر (التفعيلة) إلى العصر العباسي، فعلى ماذا اعتمدت؟
درست شعر ابن الشبل البغدادي، وقد عثرت على شعره في مجلة
 مجمع اللغة العربية في عمّان، تحقيق الدكتور حلمي الكيلاني،
 وقد صدمت كثيرا حين وجدت الدكتور يدون شعرا من التفعيلة ولا يعي
 ولا يدري أنه من شعر التفعيلة، حيث يقول: وقال وأغرب في القول:
وستة فيّ لم يخلقن في ملك ... حلمي وعلمي وأفضالي وتجربتي
وحسن خلقي وبسطي بالنوال يدي
كتبها المحقق الدكتور الكيلاني على هذه الشاكلة، وحين بحثت ودققت وجدت
 هناك ما فاته من هذه المقطوعة فكانت كالآتي:
وستة فيك
لم يجمعن في بشر
كذب
وكبر
وبخل أنت جامعه
مع اللجاج وشر الحقد والحسد
وستة فيّ
لم يخلقن في ملكٍ....
حلمي
وعلمي
وأفضالي
وتجربتي
وحسن خلقي
وبسطي بالنوال يدي
فتألمت كثيرا حين وجدت أستاذا محققا يحمل الدكتوراه ولم ينتبه إلى أن الشاعر
 جاء بالبسيط على ثلاثة أشطر، وأجّل القافية إلى الشطر الثالث،
 وحين وجدت بقية المقطوعة كانت القصيدة تجريبا وعلى بحر لا يعد من البحور الصافية..
 ولقد عثرت على الكثير وهو قيد الدراسة بعد أن أعدت جمع وتحقيق ديوان ابن الشبل البغدادي، وسيصدر قريبا.